وهبة الزحيلي
269
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
واللّه تعالى جعل النجوى مظنة الإثم والشر غالبا ، فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ ، فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ ، وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى ، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [ المجادلة 58 / 9 ] . وثبت عن ابن عمر أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال فيما يرويه مالك والشيخان : « إذا كان ثلاثة ، فلا يتناجى اثنان دون واحد ، فإن ذلك يحزنه » وهو ضرر ، والضرر لا يحل بإجماع . والسبب في اتصاف النجوى بالشر كثيرا : أن العادة جرت بحب إظهار الخير ، وأن الشر والإثم هو الذي يذكر في السر ، وتتم المؤامرات سرا ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الإثم : ما حاك في النفس ، وتردد في الصدر ، وكرهت أن يطلع عليه الناس » « 1 » . وخيرية الأمور الثلاثة المذكورة في الآية إنما تكون في السر لا في الجهر ؛ لقوله تعالى : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ، وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [ البقرة 2 / 271 ] . ثم ذكر اللّه تعالى الثواب المقرر على فعل تلك الأعمال الثلاثة فذكر : ومن يفعل هذه الأعمال الثلاثة ، بقصد إرضاء اللّه وطاعة أمره ، مخلصا في ذلك ، محتسبا ثواب فعله عند اللّه عز وجل ، فإن اللّه سيؤتيه ثوابا جزيلا كثيرا واسعا . وبعد هذا الوعد بالخير والجزاء الحسن على أحوال النجوى الخيّرة أوعد اللّه الذين يتناجون بالشر ويدبرون المكائد للناس ويعلنون اعتزالهم عن الجماعة ومعاداتهم الرسول ، فقال : ومن يخالف الرسول ويعاديه ، ويسلك غير طريق
--> ( 1 ) أخرجه أحمد والدارمي بإسناد حسن عن وابصة بن معبد ، ومطلعه : « البر : ما اطمأنت إليه النفس ، واطمأن إليه القلب ، والإثم . . . » .